أبو الليث السمرقندي

351

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ المنافق في اللغة اشتقاقه من نافقاء اليربوع ، ويقال : لليربوع جحران أحدهما نافقاء ، والآخر قاصعاء ، فيظهر نفسه في أحدهما ويخرج من الآخر ، ولهذا يسمى المنافق منافقا لأنه يظهر من نفسه أنه مسلم ، ويخرج عن الإسلام إلى الكفر . قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم الدرك بجزم الراء ، وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان : الدرك والدرك ، وجماعتهما أدراك وهي المنازل بعضها أسفل من بعض ، فأعد للمنافقين الدرك الأسفل من النار وهي الهاوية . ثم قال تعالى : وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً أي مانعا يمنعهم من العذاب . ثم قال تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من النفاق وَأَصْلَحُوا أعمالهم وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ أي تمسكوا بدين اللّه وبتوحيده وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ أي بتوحيدهم للّه بالإخلاص ، فإن فعلوا ذلك فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي المصدقين على دينهم لهم ، ما للمسلمين وعليهم ما عليهم . ثم قال : وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أي يعطي اللّه المؤمنين أَجْراً عَظِيماً يعني ثوابا عظيما في الآخرة . وفي هذه الآية دليل أن المنافقين هم شر خلق اللّه ، لأنه أوعدهم الدرك الأسفل من النار . ثم استثنى لهم أربعة أشياء التوبة والإخلاص والإصلاح والاعتصام . ثم قال بعد هذا كله : فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ولم يقل هم المؤمنون . ثم قال : وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ ولم يقل : سوف يؤتيهم اللّه بغضا لهم وإعراضا عنهم ، والمنافقون هم الزنادقة والقرامطة الذين هم بين المؤمنين ، يظهرون من أنفسهم الإسلام وإذا اجتمعوا فيما بينهم يسخرون بالإسلام وأهله ، فهم من أهل هذه الآية ومأواهم الهاوية . قوله تعالى : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ أي ما يصنع اللّه بعذابكم إِنْ شَكَرْتُمْ يعني إن آمنتم باللّه تعالى ووحدتموه ، ويقال : معناه ما حاجة اللّه إلى تعذيبكم لو كنتم موحدين شاكرين له وَآمَنْتُمْ به وصدقتم رسله . ثم قال تعالى : وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً أي شاكرا للقليل من أعمالكم ، عليما بأعمالكم وثوابكم . ويقال : شاكرا يقبل اليسير ويعطي الجزيل ، عليما بما في صدوركم . ويقال : بمن شكر وآمن فلا يعذب شاكرا ولا مؤمنا . قوله تعالى :